الرئيسية » مقالات » حين تكون الذاكرة شاهداً ، قراءة في كتاب وثائق ليست للبيع للأستاذ علي چالي …

حين تكون الذاكرة شاهداً ، قراءة في كتاب وثائق ليست للبيع للأستاذ علي چالي …

ان تتحول المشاهدات الشخصية الى جهد توثيقي هذا يعني اننا ازاء تجربة راصدة ، تجربة تدرك موقعها في نسيج ما ، وتبحث في تأطير رؤاها عن طريق قراءة للذات والاخر في آنٍ معاً قراءة لا تنعزل عن حركة المجتمع ولا عن ايمان /ذاتي/ لمُنتج تلك المشاهدات . في كاتبه المعنون وثائق ليست للبيع يضعنا المؤلف علي چالي ازاء حوادث تبدو للوهلة الاولى أنها شخصية وهي ليست كذلك فحسب بل هي مشاهدات ومكابدات ومحن جيل وحركة / تغيير/ ارتبطت بمرجعية مغايرة خرجت عن السائد والمألوف الممتد لألف عام!
حركة آمنت بالصدر الذي غير مسار مرحلة طويلة من سياسات التجهيل والتدجين كما يسميها المؤلف والتي افرزتها سلطتين سياسية ممثلة بحكومات جائرة تعاقبت على حكم العراق وروحية اشتركت بطريق مباشر او غير مباشر في تحجين دور الفرد وصادرت وعيه وجعلته اسيرا منقادا لايدرك أنه ضحية جلد وقهر طوليين لسلطتين هما الاكثر تأثيرا في خلقه وتشكله ..
مسيرة عشرين عاما قادها السيد محمد الصدر كما يرى المؤلف انتجت منهجية حركية اصلاحية مجتمعية ميدانية لاتقف عند حدود التعاليم الدينية الفقهية وثقافة ( الروزخونيات) بل تعدته الى اطلاق وعي الفرد وبيان مركزيته ودوره في احداث تغييرات على المستويين السياسي والروحي بأعتباره جزءا من المجتمع واداة فاعلة لتغييره ..
اثار الصدر في اذهان مريديه ومناوئيه على حد سواء اسئلة تعتبرها المؤسسة الدينية ( الروحية) قبل (السلطة) خطرا على ارثها التقليدي القائم على ثقافة ( الخمس والحيض واللطم) ص٢٥..
تمهيدا للحديث عن المرجعية التغييرية التي كان رائدها السيد محمد الصدر تطرق المؤلف الى المرجعية التقليدية التي لم تقدم مايذكر على المستويين السياسي والاجتماعي ولم تحرك ساكنا بل بقيت على منهجيتها في تدريس الفقه وافتتاح بعض المؤسسات المرتبطة بأشخاصها ولم تحمل اسما عاما والتي لم تغير من الواقع شيئا فأستمرت ظلامة مدن القهر والعوز ومنها اهمال تلك المرجعية لأقدم الحوزات العلمية في (جنوب العراق) في قرية ( الصباغية) والتي اسسها السيد نعمة الله الجزائري واغلقت فيما بعد بأمر الوالي العثماني . معتبرا تلك الاشارات لم تكن عفوية ! بل متعمدة هدفها تجهيل المجتمع وتخديره والابقاء على طاعته وتشبثه بقدسية واهية حولته الى كائن لايثمر ولسان لايردد غير عبارات الطاعة والولاء الاعمى .. ولم تكن تلك المرحلة لتخلو من علامات مضيئة تجسدت في شخصية اية الله العظمى السيد الشهيد محمد باقر الصدر الذي عمد الى مناقشة الفكر المادي وترجمة رؤيته الفلسفية عبر العديد من المؤلفات خلافا لغيره من المرجعيات التي حرمت الانتماء للحزب الشيوعي / مثلاً/ لا لقوة فكره بل لضعف المنهجية الفكرية التي كانت سائدة في الوسط الحوزوي وتأثيرها في المجتمع ، وهو بهذا التمهيد يعتبر ان حراك السيد محمد باقر الصدر سيشكل فيما بعد جذرا للحركة التغييرية التي قادها بشجاعة وثبات السيد محمدمحمد صادق الصدر ، الصدر الذي استغل ضعف سلطة البعث ابان الانتفاضة الشعبانية وبادر بخطواته الميدانية الاولى في قيادة الانتفاضة من ( الداخل) مخالفا حيادية المرجعية التي تناقضت آنذاك مع ثورية الجماهير وتطلعاتها ص٧٥ رافضا ان يكون ضمن اللجنة التي شكلتها لادارة البلاد وشؤونها ص٧٧ …
شكلت احداث الانتفاضة وما تلاها التشكلات الاولى لمرجعية عراقية تمثلت بالسيد محمد الصدر الذي تمكن من ( محاكاة عقلية الفرد العراقي وتغيير ثقافته من التنويمية الى الثقافة الحركية الفاعلة وتسليم زمام المبادرة بيد المكلف … ص ٧٨) وهو هنا يراه شريكا ما لم ينزوي في خانة التجهيل وناهضا مالم يعزف عن ثقافة السؤال والتقصي بعيدا عن هالات التقديس المتوارث لحقب طويلة …
لم يكن مشروع الصدر دينيا فقط كان مشروعا يهدف الى بناء الانسان والارتقاء به الى دوره الذي غُيب لقرون عدة ، استفز الصدر بخطوات واعية عقلية الفرد وجعلها تتحرك في نسيج مجتمعي تفكر وتعمل على التغيير على مختلف الاصعدة وبمختلف الطبقات ، خلق جيلاً يستطيع رصد الانحرافات والمواجهة ، جيلا يؤمن ان المقاومة تنطلق من الذات لتحفظ وطنا بأكمله ،كان الصدر يتحرك وفقاً لمعطيات مابعد الانتفاضة برود المؤسسة التقليدية قبال غليان الجماهير ، جماهير المناطق المسحوقة في اطراف المدن الخزانات الكبرى للثقافة والوعي والايثار حد الموت من اجل القضايا العادلة ، خزانات الجوع والقهر .. كان الصدر بالنسبة للمؤلف وجيله المُخلص المُصلح الذي يمكنه تبديد الوهن والضعف والانقياد الذي اصاب الوطن والمذهب ، هذا الجيل الباحث عن ( البطل) الذي يمكنه قيادة المجتمع لاحداث ثورة تغيرية تقف بالضد من ثورة البعث في مراحلها الاضعف ،، مهمة الصدر المقاوماتية بدأت بخلق ( مقاومة رمزية لدى اتباع متعطشين لمشروع منقذ تكرس ذلك بزخ المفاهيم المعرفية والاخلاقية أسماها المؤلف بالمقاومة الدفاعية وهي ستثمر فيما بعد صلابة للمفهوم الجهادي وقوته وديموته ورسوخه في ذاكرة اجيال اخرى وهو ماحصل بالفعل في السنوات التي تلت سقوط البعث وتشكل المقاومة الفعلية للأحتلال الامريكي على يد السيد مقتدى الصدر نجل السيد الشهيد محمد الصدر ومكمل مشروعه الاصلاحي المُغير .
في الوقت الذي كانت فيه السلطة تراقب كل تحركات الصدر ومريديه بادر بعض المجاهدين الى مواجهة خطيب مسجد الرشاد وأقامة الشعائر بصورة معلنة وصريحة رغم نذالة المخبر وسطوة المنظمات البعثية وهذا مؤشر لتنامي الوعي الجهادي وأمكانية المواجهة في ظل وجود القائد ممثلا بالسيد محمد الصدر ..
يقودنا الكتاب الى استكشاف معاناة ومحن غاية في الرعب ظلت حبيسة في ذاكرة اشخاصها وقادتها ولم يطلع على فصولها الا من عايش او عاش في ظلها كأحداث ( ساعة الصفر) وسط وجنوب العراق والتي كشفت عن عجز المعارضة الخارجية لا بل انقيادها أداة لمشاريع دولية وخسارتها لرجال الصدر فلقد خذلت الثوار وأسهمت في اخماد شرارة الانتفاضة مبكرا . سعى المؤلف بجرأة ونباهة كبيريتين في رد شبهات ساسة ومعارضة ( الخارج ) الذين طالما روجوا لعدم وجود مقاومة داخلية للبعث ونظامه الفاشي وتناسوا ان ماقام به السيد الشهيد وثورته الاصلاحية اسست ل( مجتمع المقاومة) والتي اثبتت على مدار عقد من الزمن عمق المواجهة مع السلطة الغاشمة وكذلك بيان ان مشروع السيد الصدر جاء لتغيير عقلية الفرد العراقي بغض النظر عن انتماءه ومعالجة المجتمع بالمجتمع ذاته ، في الكتاب تحفيز لكسر التابوهات والمقدسات الوهمية وهو تحريض واع في ظرفنا الراهن بأمس الحاجة اليه ، تلك الوثائق ليست للبيع لانها جرح وطن وهي مفتتح للتوثيق لمرحلة غيبتها مشاريع ضخمة من اجل ابعاد العراق عن عراقيته وابقاء شعبه تابعا لسطوة الاحتلالات …

أحمد ساجت شريف

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*